عالم السيارات

06 ذو الحجة 1439 17 أغسطس 2018
الرئيسيةالرئيسية بروفايل
جنرال موتورز.. الأكبر بين الأمريكيين
# السبت , 28 يوليه 2018 05:00 م

كان الوقت ما زال مبكرًا عندما دخل جون هولز إلى المطعم الصغير كعادته كل صباح لتناول إفطاره، رجل في بدايات العقد الخامس من عمره، يقيم في نيوجيرسي ويعمل محاسبًا في إحدى شركات الشحن، أمريكي كما اعتدنا أن نتخيل الرجل الأمريكي تمامًا، بشرته بيضاء وشعره بني داكن، يحتسي القهوة الأمريكية، ويطلب شرائح اللحم على الإفطار، وأول ما يطالعه في الصحيفة اليومية أخبار الاقتصاد وأسواق المال –نعم، فنصف الشعب الأمريكي يشتري ويبيع في بورصة نيويورك.. طلب من النادل الإفطار المعتاد، وسحب نسخة من الجريدة من على الرف وفردها أمامه ليطالع الخبر الرئيسي الذي خُط بحروف كبيرة: "الإفلاس الكبير"، وعندما انتهى من قراءة التفاصيل كان قد تأكد أنه قد خسر أكثر من سبعين ألف دولار أمريكي، كان قد اشترى بها أسهمًا في شركة جنرال موتورز.. غير إنه بعد شهر وعشرة أيام اكتشف أن ظنه كان خاطئًا إلى حد كبير، فحول الخسائر التي لم تعد خسائر، والإفلاس الذي لم يكن إفلاسًا، سنحكي قصة أكبر مصنعي السيارات الأمريكيين على الإطلاق، وثاني أكبر مصنعي السيارات في العالم، سنحكي قصة جنرال موتورز.

ويليام ديورانت

في خريف عام 1908، وبالتحديد في السادس عشر من سبتمبر، كانت صناعة السيارات الأمريكية على موعد مع ظهور جوهرتها الكبيرة، إنها شركتها الأكبر التي قام ويليام ديورانت بتسجيلها كشركة قابضة لصناعة السيارات تضم شركات "بويك، ماكلولين وديورانت-دوت للنقل"، غير إن تلك كانت مجرد بداية؛ ففي خلال عام واحد فقط استطاع ديورانت أن يضم إلى شركته القابضة الكبيرة العديد من الشركات الأخرى، مثل "أولدزموبيل، كاديلاك، كارتركار، إلمور، بوينج، وأوكلاند التي عرفت بعد ذلك باسم بونتياك"، كما ضم شركة الشاحنات "ريليانس موتور" صاحبة النسخ الأولية لسيارات "جي إم سي"، البيك أب الأشهر على مستوى العالم..
في إطار محاولة ديورانت لاستكمال توسع الشركة، حاول الاستحواذ على جزء من شركة فورد –المنافس التقليدي لجنرال موتورز، والذي يمثل صاحبها هنري فورد منافسًا شخصيًا له- غير إن المحاولة باءت بالفشل، وهو ما دفع شركاءه في مجلس إدارة الشركة الكبيرة لإقصائه عن منصبه عام 1910، ودفعه بدوره للمشاركة في إنشاء شركة أخرى في الثالث من نوفمبر عام 1911.. هل تعلم عزيزي القارئ ما هي تلك الشركة؟ إنها شيفروليه، فقام عام 1915، خطوةً بعد أخرى بشراء أسهم جنرال موتورز من تلك المطروحة في البورصة وضمها إلى شركة شيفروليه، حتى استطاع في الثالث عشر من أكتوبر عام 1916 العودة رسميًا للسيطرة على شركة جنرال موتورز القابضة.

أزمات للرئيس

بعد عودة ديورانت لقيادة جنرال موتورز، بدأت المنافسة تحتدم بشكل كبير بينها وبين شركة فورد، وهي في الحقيقة منافسة بين الرجلين الكبيرين الجالسين على رأس مجلس الإدارة في كل منهما، وبدأ البعد الشخصي يسيطر على الأحداث، وتزامن هذا مع اتهامات من قبل السلطات الكندية لجنرال موتورز بالقيام بعمليات استحواذ غير قانونية على الأراضي الكندية، وزيادة هائلة في الإنفاق، نتيجة التوسع في بناء مساكن للعمال الذين زاد عددهم من خمسة وأربعين ألفًا إلى خمسة وثمانين ألف عامل، حتى إنها اعتُبرت الشركة الأكثر إنفاقًا عام 1919 على الإطلاق بين كل شركات صناعة السيارات، وبناءً على كل تلك المشكلات دبت الخلافات بين ديورانت ومجلس الإدارة مرة أخرى عام 1920، ليخسر منصبة داخل جنرال موتورز، ولكن هذه المرة للأبد.

المؤامرة الكبرى

القصة هنا قد تبدو شائكة، أو هي هكذا بالفعل؛ فمن ناحية الزمن، أحداث مؤامرة جنرال موتورز الكبرى تدور بين أعوام 1927 و1950، وهي فترة حرجة من تاريخ الولايات المتحدة؛ حيث بدأت بالكساد الكبير عام 1929 ثم الحرب العالمية الثانية ما بين 1939 و1945، والأطراف المشاركين كُثر، في الواجهة ثلاث شركات لنقل الركاب بالحافلات، ألا وهي: "ناشيونال سيتي لاينز National City Lines"، "أمريكان سيتي لاينز American City Lines"، و"باسيفيك سيتي لاينز Pacific City Lines"، ومن خلفها عمالقة، "فايرستون للإطارات Firestone Tire"، "ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا Standard Oil of California"، "فيدرال إنجنيرينج Federal Engineering"، "فيليبس بيتروليوم Phillips Petroleum"،"ماك للشاحنات Mack Trucks"، وبالطبع قبلهم جميعًا جنرال موتورز..
تدور المؤامرة حول محاولة هذا التجمع الضخم من العمالقة السيطرة واحتكار سوق نقل الركاب في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما حدث بالفعل من خلال السيطرة على ستة وأربعين نظامًا للنقل في خمس وأربعين مدينة في ست عشرة ولاية من الولايات الأمريكية، عن طريق شراء شركات السكك الحديدية الداخلية –الترام- العاملة في تلك المدن، وإجبارها على التوقف وتفكيك معداتها وأصولها العاملة، وتحويل النقل داخل تلك المدن إلى الاعتماد على الحافلات التي تعمل بمحركات الديزل، وهي تلك الحافلات التي تنتجها أو تشارك في إنتاجها أو مدها بالوقود تلك الشركات العملاقة المشاركة في المؤامرة.
بالطبع ومع مرور الوقت بدأ المخطط يكشف عن وجهه للعلن، وبدأت تتعالى أصوات معارضة لما يحدث، خاصةً أنه كان يعتبر خرقًا واضحًا لقانون منع الاحتكار الذي صدر عام 1890 والمسمى بقانون شيرمان.. وفي يوم التاسع من إبريل عام 1947 مثلت أمام المحكمة الجزئية الاتحادية في جنوب كاليفورنيا تسع شركات وسبعة أشخاص، بتهم التآمر ومحاولة الاحتكار عن طريق الحصول على أسهم حاكمة لشركات نقل في مدن متعددة، ومع استمرار المحاكمات تم تغيير مكان المحكمة ليكون المحكمة الجزئية الاتحادية بشمال ألينوي، والتي رأت في عام 1949 الإدانة لجنرال موتورز وباقي الشركات المشاركة في المؤامرة، وهو القرار الذي أيده حكم الاستئناف في عام 1951.

أعوام الازدهار

نستطيع أن نقول –دون أن يكون في كلامنا أية مبالغة- إن عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين كانا عقدين من الازدهار لجنرال موتورز وما تنتجه الشركات التابعة لها من سيارات؛ فمع السنة الأخيرة من الأربعينيات ظهرت طرازات حققت الكثير من النجاح، بدايةً بطراز "رودماستر Roadmaster" من إنتاج شركة بويك، ومرورًا بطرازات "كورفيت Corvette وبيل آير BelAir" من إنتاج شركة شيفروليه، وانتهاءً بطراز "إلدورادو  El Dorado" من إنتاج شركة كاديلاك.

عودة الأزمات

مع بداية السبعينيات بدأت جنرال موتورز تواجه الأزمات مجددًا، فلقد بدأت ألمانيا واليابان التعافي من آثار الحرب العالمية الثانية، وبدأتا إنتاج وتصدير السيارات إلى الولايات المتحدة بكميات هائلة منذ بداية عقد السبعينيات، ومع دخول أزمة الطاقة المنحنى الخطر عام 1973، وارتفاع أسعار الوقود حول العالم وفي الولايات المتحدة بالطبع، بدأت صناعة السيارات تتأثر سلبًا، خاصةً مع شركة بحجم جنرال موتورز تضم تحت مظلتها شركات اعتادت إنتاج سيارات من فئة الصالون الكبيرة، أو تلك من فئة السيارات الفارهة، وهي الفئات التي تستهلك الكثير من الوقود، ورغم محاولات الشركة للتحول لإنتاج فئات أصغر من السيارات، إلا أن الحجم الكبير لجنرال موتورز ونجاحها في تصنيع الفئات الكبيرة لفترة طويلة حالا بينها وبين نجاحها في تغيير نمط إنتاجها بهذه الصورة الحادة، ومع الوقت بدأت سيطرة جنرال موتورز على سوق السيارات في الولايات المتحدة الأمريكية الانكماش إلى حد أن أصبح العملاق قزمًا..
في فترة الثمانينيات والتسعينيات حاولت الشركة الهروب إلى الأسواق الخارجية لمواجهة إخفاقاتها الداخلية، حتى إنها اعتُبرت عام 1982 الشركة الأكثر توسعًا خارج حدود الولايات المتحدة، وبدأ ذلك عن طريق افتتاح مجمعها الصناعي الكبير في "زاراجوزا Zaragoza" بإسبانيا، كما بدأت مشاريع مشتركة مع الصين والهند، بالإضافة إلى مشاريعها المشتركة مع شركتي هامر وساب السويدية، حتى وصلت إلى أن تباع منتجاتها في جميع دول العالم قاطبةً، وبدأت الشركة تتعافى داخليًا وخارجيًا مع منتصف التسعينيات، حتى إن مبيعاتها داخل الولايات المتحدة في عام 1995 قد تجاوزت خمس ملايين وحدة، أما في الخارج فلقد تعدى رقم مبيعاتها ثلاث ملايين وحدة، وهو الرقم الأكبر في تاريخها على الإطلاق.

الإفلاس

مع بداية القرن الحادي والعشرين اتجهت الشركة إلى بناء حضور قوي ومؤثر في الأسواق الناشئة، مثل الصين والبرازيل، واستطاعت بكثير من الجهد والمثابرة استعادة وضعها الإقليمي والدولي، غير إن الرياح "تأتي بما لا تشتهي السفن" كما نعرف، فمع قرب نهاية العقد الأول من القرن الجديد أصيبت الأسواق العالمية بالركود التام عقب أزمة الائتمان العالمية عام 2008، وأعلنت جنرال موتورز عن تسريح خمسين ألف عامل وإغلاق 1100 متجر لها حول العالم، لكن يبدو أن هذا لم يكن كافيًا لإنقاذ العملاق الأمريكي الكبير، فقامت الشركة بطلب العون من حكومة الولايات المتحدة، عن طريق قروض يصل مجموعها في فبراير 2009 إلى تسعة عشر مليار دولار، وحاولت جاهدةً أن تتزن، غير إن البناء كان يترنح منبئًا بالسقوط المدوي في الأول من يونيو عام 2009 مع إعلان إفلاسها رسميًا، لتكون أكبر عملية إفلاس لشركة صناعية في الولايات المتحدة ورابع أكبر عملية إفلاس لمؤسسة تجارية في تاريخ أمريكا بعد ليمان براذر، واشنطون ميوتشوال، وورلد كوم، وفي الثامن من يونيو عام 2009 تمت إزاحة جنرال موتورز من مؤشر البورصة داوجونز للأسهم الصناعية.

مفاجأة بعد الإفلاس

بعض الشركات الكبرى تسقط، لكن هناك مرحلة من العملقة تتجاوز معها الشركات مرحلة السقوط، هكذا يقول الخبير الاقتصادي العالمي بيرن ستيوارت، وهذا تمامًا ما حدث مع جنرال موتورز، ففي أقل من أربعين يومًا اكتشف الجميع أن عملية الإفلاس التي أطاحت بالعملاق الكبير لم تكن سوى خطوة أولى في عملية إعادة الهيكلة، التي اتفقت عليها الشركة مع حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، والتي حصلت بموجبها الشركة على دعم حكومي وصل إلى ثلاثين مليار دولار، وفي العاشر من يوليو عام 2009 كانت دوائر تسجيل الشركات تقوم بتسجيل شركة جنرال موتورز الجديدة بعد إعادة الهيكلة، والتي تملك الحكومة الأمريكية ستين بالمائة من أسهمها، وهي الشركة التي ما زالت تعمل حاليًا مع امتلاكها أغلب أصول الشركة القديمة وشركاتها التابعة، مثل بويك، شيفروليه، جي إم سي، وكاديلاك.

-----------

قصة جنرال موتورز في حقيقتها تلخص لنا قصة الشخصية الأمريكية بكل ما بها من خير وشر، قوة وضعف، إخفاق ونجاح، غير أن ما يميزها بحق هو الإصرار وعدم اليأس مهما كانت الإحباطات أو الصعوبات، وهذا بالفعل هو أكثر ما يمكن أن يكون مبهرًا في الأمريكيين.

 

#
  • تعليقات Facebook