عالم السيارات

09 محرم 1440 19 سبتمبر 2018
الرئيسيةالرئيسية بروفايل
لانشيا.. علامة تحكي قصة إيطاليا
# الجمعة , 22 يونيو 2018 01:46 ص

كان الضوء خافتًا في الغرفة الصغيرة عندما دخل الرجل ذو الشارب الكث وهو يحمل أغراضًا متعددة، أوراقًا، أقلامًا، فرشات، أحبارًا وألوانًا، وضع كل ذلك على الكرسي الخشبي الصغير، وذهب ليضيء مصباحًا آخر في ركن الغرفة لتشرق الشمس داخلها في ثوان، ثم فَرَد صفحة الورق البيضاء أمامه على المنضدة الكبيرة، والتقط قلمًا أسود من وسط الأقلام وبدأ يخط على الورقة ما يجول في عقله، عجلة قيادة دائرية ذات قطرين متقاطعين، وفوقها راية زرقاء مشرعة ثُبتت على صارية شبيهة بالرمح ونُقش عليها اسم بحروف لاتينية..


كان اليوم هو أحد أيام شتاء عام 1911، والرجل هو الفنان والمصمم الإيطالي الكونت "كارلو بيسكاريتّي دي روفيا Carlo Biscaretti di Ruffia"، أما الشعار فكان لشركة السيارات الإيطالية "لانشيا Lancia"، ومع الشعار بدأت قصة تدور فصولها على أرض من حجارة، وفي شوارع منحنية ضيقة تحتضنها منازل تفوح منها روائح البيتزا والباستا والكانيلوني، وتزين شرفاتها الورود ذات الألوان المبهجة، والتماثيل المقلدة لإبداعات مايكل أنجلو.. إنها قصة إيطالية بامتياز تحكي عن سيارة، أو ربما هي سيارة تحكي قصة إيطاليا..

 

بداية الرواية

في الرابع والعشرين من أغسطس عام 1881 ولد "فينتشبنزو لانشيا Vincenzo Lancia" في قرية صغيرة من قرى منطقة "فابيلو Fobello" بالقرب من مدينة "تورينو Turin" بشمال إيطاليا، طفل رابع ضمن أسرة مكونة من أربعة أبناء وأم، وأب ثري جمع ماله من حياته السابقة في الأرجنتين، ثم عاد لوطنه ليعمل في تعليب وبيع معلبات الحساء في تورينو.. تلقى فينتشينزو تعليمه الرسمي في "مدرسة تورينو التقنية Turin Technical School"؛ تمهيدًا ليصبح محاسبًا، غير إن الشاب الصغير لم يُظهر تألقًا في هذا النوع من التعليم، بل يمكن أن نقول إن مستواه كان ضعيفًا، فهو لم يكن ميالاً أبدًا لعلوم المحاسبة والأرقام، حتى استأجرت الأسرة جزءًا من منزل "ماتيو تشيرانو Matteo Ceirano"، الذي كان يملك ورشة للميكانيكا ستنتج فيما بعد سيارة تحت اسم "تشيرانو Ceirano"، ليبدأ الشاب الصغير الافتتان بعالم الميكانيكا والسيارات، ويطلب من والده السماح له بالتعين في تلك الورشة كمحاسب، غير إن حقيقة الأمر كانت أنه اتخذ الوظيفة كذريعة ليعيش وسط الآلات والمعدات ويتعلم الميكانيكا وفنون التصميم.

 

على المسار الصحيح

الضعف الدراسي تحول إلى نبوغ وقدرة هائلة على الاستيعاب في سرعة وسهولة، ليتعلم حرفة الميكانيكا وأساليبها وخفاياها، ويصبح وهو ما زال مراهقًا كبير مهندسي الورشة.. وفي عام 1899 عندما استحوذت شركة فيات الإيطالية على شركة "تشيرانو Ceirano" وضمتها إليها، كان الفتى فينتشينزو ذائع الصيت، حتى إن فيات قررت تعيينه –وهو المراهق الذي لا يتعدى الثامنة عشرة- كبير مفتشين في مصنعها الجديد، بناءً على سمعته الممتازة التي كان يتمتع بها في العمل، كما دُعي أيضًا للانضمام لفريق سباقات فيات مع ثلاثة آخرين من سائقي السباقات الماهرين، هم "فيليس نازارو"، "أليساندرو كاجنو"، و"لويجي إستوريرو"، ليحقق فينتشينزو انتصارًا كبيرًا بفوزه بمسابقة "كأس فلوريو Florio Cup" عام 1904، وكان فوزه لافتًا للنظر حين اقتحم بسيارته خط النهاية بسرعة قدرها 115 كم/س.

 

شركة جديدة

ربما يكون أعظم وسام حصل عليه فينتشينزو هو تمسك شركة فيات باستمراره في وظيفته كسائق سباقات في فريقها، على الرغم من قيامه في التاسع والعشرين من نوفمبر عام 1906 بإنشاء شركته الخاصة لتصنيع السيارات مع شريكه "كلاوديو فوجولين Claudio Fogolin" تحت اسم شركة "لانشيا Lancia"، والتي تميزت طرازاتها باستعمال أسماء الهجاء اليونانية، مثل "ألفا Alpha، بيتا Beta، ديديلتا Didelta، جاما Gamma، وإبسيلون Epsilon"..
كان أول الطرازات التي صنعتها الشركة هو الطراز ألفا الذي تم إنتاجه عام 1908، وكانت نسخته تحمل محركًا ذا أربع أسطوانات وينتج قوة قدرها 28 حصانًا، ومع هذا الطراز يمكننا أن نقول إنه قد أصبح لشركة لانشيا تواجد فعلي على أرض المنافسة في سوق السيارات.

 

مسيرة انفرادات

لم يقتصر تميز لانشيا على أسماء طرازاتها فقط، بل امتد إلى ما أدخلته على نماذجها من نُظُم وتقنيات كانت الأولى من نوعها، فمثلاً في عام 1913 كان طراز لانشيا "ثيتا Theta" هو أول طراز تعرفه أوروبا يستخدم النظام الكهربائي الكامل كتجهيز قياسي في إنتاجه، ومع بلوغ منتصف عام 1922 ظهر الطراز "لامبدا Lambda"، والذي كان يستخدم –ولأول مرة في صناعة السيارات- نظام التعليق المستقل، وهو النظام الذي يسمح لكل عجلة على نفس المحور بالحركة عموديًا بشكل مستقل للاستجابة لعثرات الطريق من ارتفاعات أو انخفاضات، واعتُبر هذا النظام في حينه –خاصةً قبل اختراع نظام امتصاص الصدمات- هو الأكثر دقة في القيادة على مستوى العالم، وظل معمولاً به حتى عام 1931.. وفي عام 1938 ظهر طراز لانشيا "أرديا Ardea"، فكان الطراز الأول الذي يحمل صندوق تروس ذا خمس سرعات في نسخته لعام 1948..

ولزيادة كفاءة طرازات لانشيا ابتكرت الشركة في منتصف الخمسينيات التعليق بنظام المحاور الحية، وهو نظام يتيح ربط المحاور ونقل الحركة بين العجلات، وتميز ببساطته وقلة تكلفته وكفاءته في التحمل والتشغيل، الأمر الذي دفع شركات صناعة سيارات النقل الثقيل والخفيف وسيارات الدفع الرباعي والجيب إلى استخدامه على نطاق واسع.

 

استحواذ فيات

كان فينتشينزو لانشيا قد توفي عام 1937 في الخامس عشر من فبراير على أثر أزمة قلبية ألمت به بشكل مفاجئ، لينهي مسيرة حياته عن عمر يناهز خمسًا وخمسين عامًا، وتتولى خلفًا عنه لإدارة الشركة زوجته "أديل Adele" وابنه "جياني Gianni"، غير إن إدارتهما للشركة لم تكن بنفس كفاءة المؤسس الراحل، كما إن أحداث الحرب العالمية الثانية وما لحقها من سوء أحوال الأسواق في أوروبا –وإيطاليا على الأخص، واهتمام الابن جياني بسباقات السيارات على حساب عمليات التصنيع- دفع الشركة إلى شفا الإفلاس، حيث بدأ المالكون بيع حصص من أسهم ملكيتهم لها في عام 1955 إلى شركة فيات، لتسقط الشركة بكاملها في يد عملاق صناعة السيارات الإيطالي في أكتوبر عام 1969، وتصبح تابعة رسميًا لملكيته وإدارته الكاملة.

 

التعاون مع السويديين

في عام 1980 اتفقت لانشيا مع شركة صناعة السيارات السويدية "ساب SAAB" على إنتاج وبيع الطراز لانشيا "دلتا Delta" داخل السوق السويدية تحت اسم "ساب 600 SAAB 600"، وهو التعاون الذي أثمر نجاحًا كبيرًا، مما دفع الشركتين إلى بناء الطرازين لانشيا "تيما Thema"، و"ساب 9000" عام 1985 باستخدام منصة واحدة بالمشاركة مع طرازين آخرين هما فيات "كروما Croma"، و"ألفا روميو 164".

 

عثرات لانشيا

بالطبع لا تسير الحياة دون عثرات، إنه قانون الطبيعة الذي ينطبق على كل ما فيها، وهو ما حدث مع لانشيا في مسيرتها الطويلة، فعلى الرغم من إن سياراتها لم تدخل رسميًا سوق الولايات المتحدة سوى عام 1975، إلا أنها كانت تتواجد هناك قبل ذلك بكثير؛ حيث كانت تتم عمليات تصدير إلى السوق الأمريكية منذ عام 1960، غير إن انحسار المبيعات دعا الشركة إلى الانسحاب عام 1982، وهو ما تسبب لها في أضرار مالية فادحة.. أما في المملكة المتحدة، فلقد ظلت طرازات لانشيا متواجدة داخل السوق البريطانية حتى عام 1980، عندما قوضت سمعتها على أثر ظهور نماذج معيبة من الطراز "بيتا"، وهو ما اضطرها لشراء منتجاتها مرة أخرى من المستهلكين بعد حملة إعلامية شرسة أثيرت ضدها، وهو ما تكرر معها مرة أخرى عام 1995 بخصوص طرازها دلتا.

 

لانشيا تتحدى

لم تستسلم لانشيا لما لحق بها من مشكلات في الأسواق الخارجية، بل قامت بإعادة تطوير تصميماتها لتناسب القرن الجديد، وبدأت مشروعات للعودة إلى تلك الأسواق، خاصةً بعد شراء شركة فيات المالكة لها للعلامة التجارية كرايسلر، والتخطيط لبيع منتجات لانشيا جنبًا إلى جنب مع العلامة الأمريكية الشهيرة، أما فيما يخص السوق البريطانية فقد أعلنت فيات عن نيتها العودة بطرازات لانشيا مرة أخرى إليها بحلول أغسطس 2008، غير إن الأزمة المالية العالمية أرجأت المشروع خوفًا على الشركة من تحقيق خسائر في ظروف وضع اقتصادي بات غير مستقر في تلك الأثناء.

--------

على الرغم من وجود لانشيا اليوم في كل قارات العالم، إلا أن ما يميز تصميماتها في الحقيقة هي الروح الإيطالية الواضحة، والتي تعكس حسًا محليًا واضحًا، وهو الأمر الذي يجعلك عندما تستقلها تشعر وكأنك تشم نسمات عطر فيرزاتشي، وتستمع إلى صوت رامازوتي الملهم.

 

فينتشينزو لانشيا 

 

لانشيا أرديا 1939

 

لانشيا ألفا -1907 -

 

لانشيا ثيتا - 1913

 

لانشيا بوردو الاختبارية - 2015

 

لانشيا ثيسيس - 2009

لانشيا دلتا - 2016

 

لانشيا دلتا - ساب 600- 1980

 

 

 

#
  • تعليقات Facebook
اقرأ ايضا
مرسيدس تكشف عن AMG GT43 الثلاثاء , 18 سبتمبر 2018 02:45 م
مواصفات بريليانس V7 الجديدة الثلاثاء , 18 سبتمبر 2018 01:36 م