عالم السيارات

06 ذو الحجة 1439 17 أغسطس 2018
الرئيسيةالرئيسية بروفايل
بريليانس.. قصة شعبية من الصين
# الإثنين , 07 مايو 2018 12:05 م

وقف الزعيم يتكلم من موقعه على المنصة الرخامية العالية بهدوئه المعهود وقامته القصيرة، وإشارات يده الرصينة التي لا تخطئها عين أبدًا، أمامه الرايات باللونين الأحمر والأصفر ترفرف فوق بحر ثائر من البشر، آلاف؟ مئات الآلاف؟ بل ربما ملايين –هذه أعداد معتادة ها هنا في الصين فلا داعي للتعجب، يقفون في الساحة الكبيرة يستمعون إلى الكلمات التي ستقلب الدنيا بعد لحظات رأسًا على عقب.. ستة عشر قرارًا سيسميهم "ماو تسي تونج" –ومن ورائه العالم- منذ اللحظة الأولى بالثورة الثقافية، ستة عشر قرارًا ستغرق الدنيا في القلق، وتغرق آسيا في التوتر، وتغرق الصين في الصراعات الداخلية التي تدفع بها إلى شفا الحرب الأهلية.. ووسط هذا الحشد وقف الصبي "يانج رونج Yang Rong" ذو التسعة أعوام، متعجبًا مثل الجميع من حوله؛ فهو لا يعرف يقينًا طبيعة ما يحدث بالضبط، ولا إلى أي الاتجاهات ينتمي، هل إلى المؤيدين أم إلى المعارضين؟ غير أن الأعوام التي تلت هذا المشهد وما امتلأت به من الأحداث العنيفة والدامية كانت كفيلة بإنهاء حيرته تلك. ما فعله حينها في السطور القادمة.

صبي وسط الحشد

ولد "يانج رونج" في مقاطعة جيانجسو القريبة من مدينة شنغهاي عام 1957، وهي إحدى المقاطعات الداخلية التي تقع ضمن المناطق الفاصلة بين الكتلة الحضرية والأخرى الريفية، تلك المناطق التي شهدت الكثير من النزاعات أثناء أحداث الثورة الثقافية، خاصةً مع التهجير القسري الذي قامت به الحكومة الصينية للشباب المنتمي للمناطق الحضرية، لتعليمهم الزراعة والحياة في المناطق الريفية، غير إنه ومع نهاية الثورة الثقافية بوفاة "ماو تسي تونج" على يد "دينج زياو بينج" عام 1979، كانت الصين على موعد مع حرب فيتنام، وهو ما جعل الشاب ذا الاثنين وعشرين عامًا ينضم إلى إحدى فرق الجيش الصيني المحاربة هناك، ليعود إلى وطنه بعد نهاية الحرب بإصابة مؤلمة وذكريات أكثر إيلامًا بالطبع، ولكنه انضم إلى جامعة "الجنوب الغربي للاقتصاد والمالية Southwestern University of Finance and Economics"، ليحصل منها على درجة الدكتوراة في الاقتصاد الإصلاحي المنفتح على الرأسمالية، وهو ما كان يتناسب مع التوجه الجديد للحكومة، وبدأ حياته العملية بإنشائه شركة تعمل في مجال صناعة الحافلات الصغيرة تحت اسم "شركة شينيانج جينبي أوتوموتيف المحدودة Shenyang JinBei Automotive Company Limited".

بداية بريليانس

في الثاني والعشرين من شهر يوليو عام 1991 تم الاتفاق بين الحكومة الصينية و"يانج رونج" على إنشاء شركة جديدة لصناعة السيارات تملك الحكومة نسبة 51% من أسهمها، على أن تكون النسبة المتبقاة -وهي 49%- من نصيب شركة شينيانج جينبي المملوكة ليانج، لتظهر "محموعة هواتشن أوتو القابضة HuaChen Group Auto Holding Co"، والتي بدأت تقديم طرازاتها تحت الاسم التجاري "بريليانس Brilliance"..
كان أول إنتاج للشركة طراز يحاكي الجيل الرابع من حافلات "تويوتا هايس Toyota Hiace" ذات الخمسة عشر مقعدًا، إلا أن الشركة الصينية أدخلت عليه بعض التعديلات؛ لتقلل عدد المقاعد إلى أحد عشر مقعدًا فقط، وكانت قد دخلت في اتفاق لتبادل الخبرات مع شركة تويوتا استمر حتى الثلاثين من نوفمبر عام 1995، وهو ما دفع العملاق الياباني إلى إرسال مهندسين وفنيين قاموا خلال هذه الفترة بتدريب أفراد العمل في مصنع بريليانس..
سجلت الشركة عام 1999 في بورصة نيويورك، لتصبح أول شركة صينية على الإطلاق مملوكة في أغلبها للدولة يتم تسجيلها في البورصات الأمريكية، كما تم إدراج أسهمها في نفس العام في بورصة هونج كونج.

يانج رونج إلى المنفى

مع نهاية عام 2001 كانت الأجواء بين "يانج رونج" والحكومة الصينية تبدو غير صافية وملبدة بغيوم عواصف قادمة؛ فالخلافات في مجلس إدارة الشركة أصبحت كثيرة وبادية للعيان، خاصةً بعد إصراره على إنشاء مجموعة مصانع جديدة في منطقة "نينجبو Ningbo" القريبة من مسقط رأسه، والتي تنتمي إلى المناطق الحضرية الغنية نوعًا ما، حيث إنها قريبة من مدينة شنغهاي، وهو ما كان يختلف تمامًا عما أقرته الحكومة –وإدارتها داخل الشركة بالطبع- من إنشاء المجمعات الصناعية في المناطق الأكثر فقرًا..
مع هذه الخلافات، وفي عام 2002، اتهمت الحكومة "يانج رونج" بارتكابه مخالفات مالية تصل إلى حد الاختلاس، وصدر أمر بالاعتقال في حقه، مما عجّل بعملية هروبه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تاركًا على مكتبه أوراق اتفاق لم يكن قد تم بعد مع عملاق صناعة السيارات الألماني BMW.

عصر BMW

في عام 2003 أبرمت الشركة عقدًا لإقامة مشروع مشترك لصناعة سيارات BMW الصالون داخل جمهورية الصين الشعبية، وبناءً على بنود التعاقد كانت الشركة الألمانية تملك 40.5% من قيمة أسهم المشروع، بينما تمتلك الحكومة الصينية من خلال شركة بريليانس باقي الأسهم، وظهرت أول نسخة من إنتاج المشروع في مارس من نفس العام لتعبّر عن الإطلاق الرسمي تحت اسم "تشونجهوا Zhonghua"، وهي سيارة تعمل بمحرك سعة 2.4 لتر..
ومع نجاح المشروع زاد الألمان مساهمتهم فيه، لترتفع نسبة ملكيتهم لحصصه إلى 44.55%، وبدأوا بعض التعديلات على الطراز "تشونجهوا" ليتناسب أكثر مع السوق الصينية، وذلك بطرح نسخة ذات محرك سعة لترين فقط وناقل حركة أوتوماتيكي، وفي أكتوبر قامت الشركة بطرح أولى سيارات العلامة الألمانية المصنوعة في الصين من الفئة الثالثة..
ولزيادة الاستثمارات مجددًا قامت الشركة الألمانية بشراء حصص جديدة في أسهم بعض الشركات التي تمتلكها شركة بريليانس، مثل شركة "جينبي" وشركة "شنيانج"، لتصبح مسيطرة على 58% من الأسهم الخاصة بالمشروع، ولتبدأ عمليات الإنتاج لطرازات BMW المختلفة داخل الصين، حتى ظهور أول نسخة من هذه الطرازات وهي السيارة "BMW X1" من فئة  السيارات متعددة الاستخدامات SUV عام 2012.. وفي نوفمبر عام 2013 أطلق المشروع السيارة بريليانس "Zinoro 1E"، المنتج الأول تحت العلامة التجارية المحلية الجديدة "Ventune"، وبعدها بعام واحد بدأت الشركة إنتاج طرازات الفئة الخامسة أيضًا بأيادٍ صينية.

أيادي بريليانس الصناعية

يتشكل نشاط الشركة الصناعي على ثلاثة محاور رئيسية، الأول هو مشروعها المشترك مع شركة BMW لصناعة سيارات الصالون الفاخرة، وهو ما لا يكتفي اليوم بالسوق المحلية الصينية، بل يتم تصديره إلى العديد من دول العالم، خاصةً في قارة آسيا ومنطقة الشرق الأوسط، أما المحور الثاتي فهو إنتاجها من الحافلات الصغيرة، والتي يتم بيعها تحت اسم العلامة التجارية "جينبي" في ثلاثة طرازات رئيسية، هي "هايس Haise"، "جراند هايس Grand Haise"، و"جراند Grande"، وهي الطرازات المتنوعة التي تقدم إلى سوق الحافلات، سواء الفاخرة أو متوسطة السعر، هذا بالإصافة إلى العديد من الطرازات الأخرى المختلفة مثل طراز "هواسونج Huasong" الذي يعتبر أحد طرازات فئة مركبات MPV متوسطة الحجم..
المحور الثالث لنشاط الشركة الصناعي هو مكونات وقطع غيار السيارات، من خلال الشركات التابعة لها والمشاريع المشتركة، فعلى سبيل المثال تقوم الشركة بإنتاج وبيع محاور العجلات، نظم التعليق، والتجهيزات الداخلية مثل المقاعد وديكور الأبواب، ونظم السلامة كالوسائد الهوائية، هذا بالإضافة إلى محركات سيارات الصالون والدفع الرباعي والشاحنات الخفيفة، وما يشترك معها من نظم ميكانيكية مثل ناقل الحركة.

-----------

على الرغم من حداثة عهدها بالنسبة لصانعي السيارات في العالم، وبالرغم من تعرضها لهزة كبيرة كان يمكن أن تؤثر على مستقبلها وتقضي على وجودها تمامًا مع اتهام مديرها التنفيذي بالاختلاس وهروبه إلى الولايات المتحدة، إلا أن بريليانس كانت من الشركات القليلة على مستوى العالم التي استطاعت أن تتخطى محنًا كهذه، لتستعيد توازنها بسرعة وتعود لتكمل مسيرتها الناجحة، وهذا كما يعبّر عن نجاحها ربما يعبر أكثر عن عصر نجاح جديد، وهو عصر الشمس المشرقة، أو كما يسميه الجميع "عصر الصين".

 

#
  • تعليقات Facebook