عالم السيارات

09 محرم 1440 19 سبتمبر 2018
الرئيسيةالرئيسية بروفايل
دايهاتسو.. أكبر الصغار!
# الخميس , 03 مايو 2018 04:00 م

كان الجو باردًا داخل قاعة الدرس الخالية من الطلبة في جامعة أوساكا اليابانية، حين اجتمع لفيف من الأساتذة لبحث ما يبدو أنه أمر شديد الأهمية، وعلى الرغم من وجود رياح الخريف الشديدة خارجها، إلا أن سخونة المناقشات أحالت جو القاعة البارد إلى صيف ساخن لم يكن له وجود في المدينة في هذا الوقت من عام 1907.. المجتمعون بملابسهم غربية الطابع ذات الحلل الطويلة الداكنة والسراويل البيضاء، ونظراتهم الحادة خلف زجاج نظاراتهم الدائرية، كانوا أشبه ما يكونون بالبريطانيين أو الأمريكيين، لولا تلك العيون الدقيقة التي تشي بأصولهم الآسيوية دون شك، واليابانية بشكل أدق..
كان الجمع يتناقشون حول إنشاء شركة لصناعة المحركات، وقطع الغيار الخاصة بالمركبات والناقلات البحرية الصغيرة.. كانت الأصوات تتعالى حينًا وتهدأ حينًا، تتلاطف أحيانًا وتحتد أحيانًا، غير أن نهاية الاجتماع كانت مُرضية لجميع الحاضرين؛ حيث اتفقوا على إنشاء شركة تحت اسم "هاتسودوكي سيزو المحدودة Hatsudoki Seizo Co. Ltd"، لتبدأ قصة عملاق صناعة السيارات اليابانية الصغيرة.. دايهاتسو..

البداية

انطلقت الشركة منذ البداية لتحقق نجاحًا ملحوظًا في سنوات عمرها الأولى، كمنشأة صناعية تقوم بإنتاج وتوريد المحركات، وهو ما دفع الجيش الياباني مع نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1919، وظهور أهمية المركبات ذات المحرك فيها، لإبرام عقود معها لتصنيع الدراجات البخارية والشاحنات الصغيرة، كما بدأت الشركة في إنتاج سيارات صغيرة الحجم للمدنيين ذات ثلاث عجلات؛ لتناسب التحرك في طرق وأزقة المدن اليابانية الضيقة، وحملت اسم "HA"..
وعلى الرغم من تشجيع الجيش للشركة بتوقيع العديد من أوامر الشراء، إلا أن صناعة سيارات الركوب كانت تعد من قبيل المخاطرة الكبيرة؛ وذلك لانعدام البنية التحتية الصناعية في ذلك الوقت في اليابان، ولظروف البلاد الاقتصادية في ذلك الوقت، حتى إنه في عام 1929 كان إنتاج اليابان من سيارات الركوب ألف سيارة فقط، في مقابل استيرادها لما يزيد عن خمس عشرة ألف سيارة من الخارج في نفس العام، أغلبها كان من الولايات المتحدة الأمريكية لطرازات قوية وشهيرة..

لكن مع انقلاب الجيش الياباني على الحكومة في عام 1930، وإصدار قانون الصناعات التحويلية عام 1935، وما تضمنه من بنود لمقاومة عمليات الاحتكار والحد من الاستيراد ودعم الصناعة الوطنية اليابانية، خاصةً في مجال السيارات، بدأت تلك الصناعة في الازدهار مرةً أخرى، وأنتجت الشركة عام 1937 أول سيارة دفع رباعي تحت اسم "FA"، حتى بدأت الحرب العالمية الثانية، ليبدأ معها فصل جديد من تاريخ صناعة السيارات في اليابان، ومعه أيضًا فصل جديد من قصة دايهاتسو.

حرب وحرب

في زمن الحرب العالمية الثانية، توجه إنتاج الشركة بالكامل تقريبًا لمساندة المجهود الحربي للجيش الياباني، لكن مع تطور أحداث الحرب بدأت اليابان جني الخسائر المتتالية، وبدأت قذائف الحلفاء تصل إلى المدن اليابانية الكبرى، فأصاب مرافق الشركة ما أصاب باقي الشركات والمنشآت من تدمير، ليتوقف نشاط الشركة تمامًا حتى نهاية الحرب..
خرجت اليابان من الحرب وهي تحت حكومة احتلال من دول الحلفاء، وكما كانت الحرب وبالاً على صناعة السيارات، كانت الحرب أيضًا سببًا في ازدهارها، لكن ما نقصده هنا ليست الحرب العالمية الثانية بالطبع، لكنها الحرب الكورية عام 1951؛ فمع بدايتها احتاجت حكومة الاحتلال العديد من الإمدادات، خاصةً في مجال المعدات والمركبات، وهو ما دفعها لتقديم دعم كبير لمصانع السيارات والشاحنات المحلية، والتي كانت من أهمها شركة هاتسودوكي سيزو، وكان اسمها قد تغير ليصبح "شركة دايهاتسو موتور المحدودة Daihatsu Motor Co., Ltd"، لتستعيد العمل بكل طاقتها الإنتاجية تحت الاسم الجديد، خاصةً بعد أن انهالت عليها عقود الشراء الضخمة من الحكومة المحاربة، وهو ما أدى لحدوث تقارب نتج عنه تعاون بينها وبين شركات أخرى أوروبية وأمريكية في مجال التقنيات والتكنولوجيا، كما طرحت الشركة سيارة ركوب صغيرة ذات ثلاث عجلات تحت اسم "ميدجيت Midget"، فلاقت رواجًا كبيرًا، حتى بيع منها في العام الأول لطرحها في الأسواق ثمانون ألف نسخة داخل اليابان فقط.

إنتاج ومشاركات

في عام 1960 كانت صناعة السيارات اليابانية تشهد تألقًا ملحوظًا، وبدأت الفترة التي سميت في تاريخ الاقتصاد الياباني بـ"عصر الاندماج الكبير"، حيث شهدت تلك السنوات من ستينيات وسبعينيات القرن العشرين اندماجات ومشاريع مشتركة بين العديد من الشركات الصناعية اليابانية الكبرى، وبالطبع كان لصناعة السيارات نصيبها منها، مثل ذلك التجمع الصناعي الذي جمع دايهاتسو مع شركة تويوتا وشركة هينو " Hino" لصناعة السيارات والشاحنات، لينافس تجمع شركات سيارات يابانية أخرى بقيادة نيسان، وليستحوذ التجمعان على ما يفوق واحد وستين بالمائة من مجمل السوق اليابانية، ولتصبح شركة دايهاتسو هي الشركة المسيطرة على نصف السوق اليابانية كاملةً من السيارات الصغيرة، وهو ما دفعها لتتوجه إلى الأسواق العالمية بدايةً من عام 1968.

طرازات مميزة

بدايةً من منتصف سبعينيات القرن العشرين نستطيع أن نقول إن دايهاتسو كانت قد وصلت إلى مرحلة النضج كشركة صناعية كبرى، فظهرت طرازات مثل "شارموه Charmant" عام 1974، التي يعني اسمها بالفرنسية "الجذابة"، وفي عام 1977 ظهر طراز آخر أكثر تميزًا هو "شاراد Charade" الهاتشباك ذو المحرك ثلاثي الأسطوانات، والذي حقق نجاحًا كبيرًا جدًا داخل السوق اليابانية وتجاوزها إلى السوق العالمية، كما ظهرت سيارة دفع رباعي من دايهاتسو تحت اسم "تافت Taft".

خارج الحدود

كان حكم الأمر الواقع يفرض على الشركة، التي أصبحت عملاقًا صناعيًا كبيرًا في مجال صناعة السيارات، أن تتمدد خارج حدودها الضيقة، وهو ما فعلته دايهاتسو بدايةً من عام 1979 عندما افتتحت مكتب الفرع الأوروبي في بلجيكا، ليبدأ الإنتاج هناك في عام 1984، كما تم افتتاح فرع سيارات دايهاتسو في تايوان عام 1980، وأنشأت مكاتب مبيعات تابعة لها مباشرةً في كل من أستراليا، الصين، ماليزيا، وهونج كونج، كما أنشأت مصنعًا في أندونيسيا ليصبح موردًا لقطع غيار السيارات في منطقة جنوب شرق آسيا كلها، ومصنعًا صغيرًا لإنتاج الطراز "ميرا ميني بيك أب Mira mini pickup" في تايلاند.. وبعد سقوط حائط برلين عام 1989 تم إنشاء مكتب مبيعات ألمانيا عام 1991، كما تم إنشاء مكتب في بولندا في نفس العام، ومع نهاية القرن العشرين كان عدد المكاتب الخارجية قد وصل إلى أكثر من مائة مكتب حول العالم، تحمل جميعها اسم دايهاتسو.

على الأرض الأمريكية

منذ عام 1980 بدأت الشركات اليابانية تشن هجماتها على الأسواق الأمريكية، ومع الوقت بدأت بعض الطرازات اليابانية تحقق نجاحات لا يستهان بها، الأمر الذي شجع دايهاتسو عام 1986 على افتتاح مكتبها الأول على الأراضي الأمريكية في ولاية كاليفورنيا، وقامت بطرح طرازها الأشهر "شاراد"، ثم طراز آخر يحمل اسم "روكي Roky".. لكن على الرغم من خبرتها الكبيرة إلا أنها لاقت فشلًا كبيرًا داخل السوق الأمريكية، حتى إنها جاءت في المركز التاسع بين شركات السيارات اليابانية العاملة داخل السوق الأمريكية، ولم تتعدَ مبيعاتها عام 1990 أكثر من 12000 سيارة في عموم الولايات المتحدة، كما إن إدارتها دخلت في نزاع قانوني مع منتجي فيلم "روكي" الشهير، حول اسم طراز الدفع الرباعي الخاص بها، ومع كل هذه الصعوبات قررت الشركة الخروج من السوق الأمريكية عام 1992 نهائيًا.

دايهاتسو في القرن الحالي

مع بداية القرن الحادي والعشرين كانت دايهاتسو قد اكتسبت سمعة عالمية كبيرة، كأفضل منتجي السيارات الصغيرة في العالم، والتي تتميز بتوفير الوقود، فبدأت تظهر أجيال جديدة من طرازات ناجحة، مثل: "أوبتي Opti"، "إيسي Esse"، و"ميرا Mira"، كما ظهر إنتاجها من الأجيال الجديدة من طرازات الشاحنات الصغيرة، مثل "هيت Hijet"، وسيارات الفان مثل الطراز "لوكسيو Luxio"، وأيضًا طرازات السيارات متعددة الاستخدامات من نوع SUV الصغيرة مثل "تيريوس Terios".

دايهاتسو اليوم

اليوم تقوم شركة دايهاتسو ببيع أكثر من مليون ونصف المليون سيارة سنويًا، كما تعمل من خلال مكاتب ووكلاء في كل دول العالم تقريبًا، بالإضافة لامتلاكها لعدة شركات، مثل "دايهاتسو موتور كيوشو المحدودة Daihatsu Motor Kyushu Co., Ltd"، المتخصصة في تصميم وإنتاج قطع الغيار، و"مركز دايهاتسو لدعم الأعمال Daihatsu Business Support Center Co., Ltd"، المتخصص في دعم المبيعات التجارية ومتابعة خدمات ما بعد البيع ووثائق التأمين التجارية، وشركة "دايهاتسو لخدمات الائتمان Daihatsu Credit Co., Ltd." وهي متخصصة في توفير قروض شراء السيارات، وأيضًا شركة "دايهاتسو للنقل Daihatsu Transportation Co., Ltd" المتخصصة في نقل البضائع وإيجار السيارات، هذا بالإضافة لعشرات الشركات التي تشارك دايهاتسو في رأس مالها.

-------------

إن أساتذة جامعة أوساكا الذين اتخذوا قرارهم بإنشاء هذا الكيان الصناعي عام 1907، بعد اجتماعهم في قاعة الدرس الخالية تلك، لم يكونوا أبدًا على علم بما ستحققه فكرتهم من نجاح على أرض الواقع، ولم يكونوا بالطبع يتوقعون أن تتحول شركتهم الصغيرة إلى واحدة من عمالقة صناعة السيارات في العالم، والعملاق الأكبر في عالم السيارات الصغيرة.

 

أخبار ذات صلة
#
  • تعليقات Facebook
اقرأ ايضا
مرسيدس تكشف عن AMG GT43 الثلاثاء , 18 سبتمبر 2018 02:45 م
مواصفات بريليانس V7 الجديدة الثلاثاء , 18 سبتمبر 2018 01:36 م