عالم السيارات

05 ذو الحجة 1439 16 أغسطس 2018
الرئيسيةالرئيسية بروفايل
فيرديناند بورشه.. أيقونة السيارات الرياضية
# الخميس , 19 أبريل 2018 09:00 م

كان الجو قارس البرودة في ذلك المساء.. الزمان: شتاء عام 1890، والمكان: الطريق المؤدي إلى قرية ريتشنبيرج Reichenberg التابعة لمدينة مافيرسدورف Maffersdorf التشيكية.. كان الأب أنطون الذي يعمل سمكريًا عائدًا في هذا الظلام المسائي إلى منزله، يعرف أن في انتظاره زوجته آنا وأبناءه الثلاثة، غير إنه بمجرد أن وصل إلى المنعطف الأخير في الطريق، لاحت أمامه من بعيد صورة منزله الصغير وهو يحترق، وأضواء ساطعة تشع هناك من المنزل بفعل الحريق، كأنه شمس وسط هذا الليل حالك السواد.. أسرع أنطون الخطا مهرولاً وفي رأسه ألف سؤال حول زوجته وأبنائه والسبب والمستقبل، إلا أنه كلما اقترب شعر أن الوضع غريب، حتى وصل إلى باب المنزل فوجد أن نارًا لم تمسسه قط، بل كان فقط مضاءً بمصابيح تعمل بالكهرباء! وبخبرته مع أبنائه الثلاثة وأفعالهم علم بما يشبه اليقين أن من أضاء منزله بتلك المصابيح هو أصغر أبنائه فيرديناند.

السنوات الأولى

ولد فيرديناند بورشه في الثالث من سبتمبر عام 1875 لأسرة متواضعة الحال، أب يعمل سمكريًا وأم ربة منزل، وثلاثة أبناء كان هو أصغرهم، وبعد مرور سنوات عمره الأولى بدأ الذهاب مع والده إلى ورشته، إلا أن العمل كسمكري لم يستهوه؛ فلقد كره الطرق على الحديد والنار المستعرة في المواقد طوال الوقت، والجو الخانق الذي يلف المكان من حوله في كل لحظة.. إن الشيء الذي أحبه الصبي فرديناند كان شيئًا آخر، ألا وهو الكهرباء، التي رآها كعالم ساحر وطاقة هائلة، حتى إنه في عام 1890 – وكان عمره وقتها خمسة عشر عامًا – طلب من والده أن يشتري له بطارية شحن كهربي، واستمر في القيام بأولى تجاربه الكهربية عليها في مخزن الغلال الملحق بمنزل عائلته الريفي الصعير، وهو المنزل الذي أضاء كل جنباته بالمصابيح الكهربية بعد تلك التجارب، مستخدمًا مولدًا ولوحة مفاتيح وأسلاكًا، ليصبح محل حسد من كل أهل القرية؛ كونه المنزل الوحيد الذي كان يتمتع بتلك الميزة الفريدة وقتها.

بدايات دراسية

بضغط وإصرار من الأم آنا تم إرسال فيرديناند عام 1890 إلى مدرسة خاصة بالدراسات الكهربية والميكانيكية، تابعة لمصنع بيلا إيجر Bela Egger في مدينة فيينا النمساوية؛ ليقوم هناك بدراسة كل ما كان يستهويه ويحبه، غير إن حياته على مدار ثلاث سنوات كانت تسير على منوال غاية في الإرهاق، عمل في المصنع طوال النهار، ودراسة ليلية ثم استذكار للدروس حتى منتصف الليل.. وفي عام 1893، عندما كان عمره ثمانية عشر عامًا، اقتنع الوالد بمواهبه، خاصةً عندما وجد العاملين في المصنع يتحدثون عن تلك المواهب الفذة في إيجاد الحلول للصعوبات الميكانيكية والكهربائية التي تواجههم أثناء العمل، وبناءً على اقتناعه الجديد قرر دعم ابنه، وإرساله ليتعلم بدوام جزئي كطالب في الجامعة التقنية بفيينا.

خطوات عملية

في غضون أربع سنوات فقط أصبح فيرديناند رئيسًا لوحدة الاختبارات في المصنع، وفي نفس الوقت كان جاكوب لونير Jacob Lohner، رجل الأعمال الذي يعيش في فيينا، يبحث عمن يمكنه أن يساعده في تحقيق حلمه في بناء سيارة كهربائية.. الحلم لم يكن مستحيلاً؛ فجاكوب كان يملك بالفعل شركة تعمل في بناء السيارات التي تجرها الخيول تحت اسم جاكوب لونير وشركاه Jacob Lohner & Company، كما يملك نظرة مستقبلية ثاقبة، حيث رأى أن التخلي عن السيارات التي تجرها الخيول أمر حتمي، وأن مستقبل التنقل هو للسيارات ذاتية الحركة، التي كان أغلبها يعمل في ذلك الوقت بالبطاريات الكهربائية، وأخيرًا كان يملك الطموح والمال اللازمين للتنفيذ، فقط كان ينقصه العقل الهندسي المنفذ، هذا العقل الذي وجده في فيرديناند بورشه، فعرض عليه عام 1898 الانتقال للعمل معه في مصنعه الجديد للسيارات الكهربائية، ليوافق الأخير ويبدآ سويًا رحلة جديدة.

السيارة الأولى

مع بداية العمل تكلف رجل الأعمال لونير الكثير من المال في مرحلة الاختبارات التي أجراها بورشه لنماذج السيارات التي ابتكرها، حيث استقر على عدة نماذج أولية، وبات يصفيها من جدول الأفضلية واحدًا تلو الآخر، وبحلول خريف عام 1899 كان قد استقر على نموذج واحد قرر أن يتم بناؤه، وفي عام 1900 كان بناء النموذج قد اكتمل وأصبح جاهزًا للعرض على الجمهور، ورأى الشريكان أن يكون أول ظهور لسيارتهما الجديدة في معرض باريس الدولي تحت اسم "لونير – بورشه 1900 Lohner-Porsche 1900"، وكانت تعمل بمستويين من السرعة، الأول ذي سرعة منخفضة لا تتعدى 18 كم/س، والآخر ذي سرعة عالية –وقتها بالطبع J- تصل إلى 37 كم/س.

زواج وعائلة

كان بورشه يعامل عائلته بكثير من الود والتقارب، يهتم بوالديه ويعتني بإخوته، وحتى أصدقاءه كان يعاملهم كأفراد أسرته، وأثناء وجوده في فيينا، وبعد النجاح الذي حققته سيارته الأولى، التقى مع "ألويسيا جوانا كايس Aloisia Johanna Kaes" التي كانت تعمل محاسبة في مصنع للمواد الكهربائية، وعند معرفتها لشخصه ومهنته، أثارت اهتمامه عندما حدثته عن اهتمامها بالسيارات وسباقاتها، وبعد عدة لقاءات اعترف لها برغبته في الارتباط بها وتكوين عائلة، وهو ما حدث فعلاً عام 1903، ليتزوجا وينجبا ابنتهما لويز Louise في التاسع والعشرين من أغسطس عام 1904، وولدهما فيرديناند أنتون إيرنست بورشه Ferdinand Anton Ernst Porsche في التاسع عشر من سبتمبر عام 1909.

مع دايملر

في عام 1906 انتقل فرديناند إلى شركة دايملر في النمسا، وعكف على تصميم ٍسيارتها الشهيرة وقتها التي كانت مصممة كنموذج تجريبي مخصص للأمير هنري وتحمل اسمه، لكن ملكيتها انتقلت عند إنتاجها عام 1910 لتكون من نصيب الأمير ويليام الثاني، الأخ الأصغر للأمير هينريش حاكم بروسيا، ولقد حققت هذه السيارة المراكز الثلاثة الأولى في سباقات السيارات؛ حيث إنها كانت الوحيدة التي تتمتع بمحرك ينتج خمسة وثمانين حصانًا، كما قام فيرديناند بتصميم نموذج آخر أقل في القدرة تحت اسم "مايا"؛ نسبةً إلى اسم أندريه مايا جيلينيك Andrée Maia Jellinek"، الشقيقة الصغرى للفتاة الأشهر على مر العصور "مرسيدس"، وكان المحرك في هذا النموذج قادرًا على إنتاج 30 حصانًا.
وفي عام 1916 حصل بورشه على الدكتوراة الفخرية من جامعة فيينا للتكنولوجيا، كما واصلت دايملر بنجاح استحواذها على المراكز الأولى في سباقات السيارات بفضل تصميمات بورشه، حيث حصلت تصميماته على ثلاثة وأربعين سباقًا من أصل ثلاثة وخمسين حتى عام 1922.. غير إن عام 1923 كان عام الخلافات مع إدارة شركة دايملر في النمسا، تلك الخلافات التي احتدمت حول المنهج المستقبلي لتطوير السيارات، الذي تقدم على أثره بورشه باستقالته ليغادر الشركة، وفيينا كلها..
إلا أنه بعد بضعة أشهر تلقى بورشه دعوة للعمل مع شركة دايملر في مدينة شتوتجارت بألمانيا، والتي كانت بالفعل مركزًا رئيسيًا لصناعة السيارات، وبعد انتقاله للعمل هناك بوقت قصير، عام 1924، منحته الجامعة التقنية بشتوتجارت درجة الدكتوراة الفخرية، وفي عام 1926 اندمجت شركتا دايملر وبنز آند سي لتكونا شركة واحدة تحت اسم دايملر-بنز، غير إن الإدارة الخاصة بالشركة الجديدة رأت أن تصميمات بورشه لم تكتسب الشعبية المطلوبة على مدار ثلاث سنوات عمل، وهو ما دفعه ليغادر الشركة في عام 1929، لينتقل إلى شركة شتاير أوتوموبيل Steyr Automobile، إلا أن الكساد العالمي دفع الشركة للاستغناء عن أغلب العمالة المكلفة ماديًا، والتي كان من ضمنها بورشه بالطبع.

تأسيس بورشه

في إبريل عام 1931 أسس فيرديناند مكتبًا خاصًا للاستشارات الهندسية، بدعم مالي من أنطون بياخ وأودلف روزنبيرج Anton Piëch and Adolf Rosenberger، وبدأ بمعاونة ابنه الاستعانة بخبرات زملائه القدامى في العمل والجامعة، وكان أول مشاريعه هو تصميم سيارة للطبقة الوسطى، وكان الاتجاه في تصميمها هو إلى الطرازات صغيرة الحجم، وفي نفس الوقت أنشأ شركة تهتم بنظم تصنيع وتطوير المحركات تحت اسم هوخليستونجز موتور Hochleistungs Motor"، وفي عام 1933 أثناء معرض ألمانيا الدولي للسيارات طالبَ المستشار الألماني وقتها "أدولف هتلر" صانعي السيارات الألمان بصناعة سيارة الشعب، وهي سيارة يحلم هتلر أن تكون ملكًا لكل عائلة ألمانية، وأن تكون اقتصادية وقوية في نفس الوقت.

سيارة الشعب ودخول الحزب

في يونيو عام 1934 تلقى بورشه طلبًا رسميًا من الحزب النازي الألماني –الحزب الحاكم وقتها– موقعًا من أدولف هتلر شخصيًا؛ لتصميم سيارة الشعب أو كما أطلق عليها "فولكس فاجن VolksWagen"، وقدم بورشه بالفعل نموذجين أوليين في عام 1935 تمت الموافقة على أحدهما، لتبدأ عملية التصنيع عام 1936، وتظهر السيارة الجديدة في عام 1939، غير إن رياح الحرب أدت إلى الاهتمام بالمجهود الحربي على حساب المشروع الجديد.
كان بورشه قد تقدم للسلطات للحصول على الجنسية الألمانية عام 1934، وهو ما أدى –بحكم القانون الألماني– إلى تنازله عن جنسيته التشيكية، ليصبح ألمانيًا وينضم عام 1937 للحزب النازي ويحصل على بطاقة عضوية رقم 5643287، وأصبح مقربًا من زعامات الحزب، وهو الأمر الذي دعا السلطات الفرنسية بعد الحرب إلى اعتقاله في الخامس عشر من ديسمبر عام 1945 ومعه ابنه فيري، واعتبارهما مجرمَيْ حرب، إلا أنه تم إطلاق سراح الابن بعد ستة أشهر، أما الأب فكانت إقامته خلف الأسوار الفرنسية أطول بكثير.

مقاومة السقوط

خرج الابن من السجن ليعود إلى ألمانيا، ويسعى للحفاظ على الشركة من الانهيار، حرك كل الآلات، ودفع كل العمال للكد بكل ما يملكون من طاقة، وباتت الشركة تعمل في إصلاح السيارات والمحركات والروافع وحتى مضخات المياه، وتحرك في كل اتجاه مستخدمًا كل الأموال التي يربحها في محاولاته حثيثة لإخراج أبيه من أسره، ونجح أخيرًا ليخرج الأب في الخامس من أغسطس عام 1947، لتبدأ بعدها الشركة إنتاج طراز من السيارات تحت اسم "بورشه 356"، وهي السيارة الأولى التي تنطلق تحت اسم العلامة التجارية بورشه، وكانت من نوع السيارات المكشوفة ذات المقعدين، ومزودة بمحرك ذي سرعة قصوى قدرها 140 كم/س.. ولقلة الأيدي العاملة في مصنع الشركة، اكتفى بورشه وابنه بصناعة خمس سيارات فقط شهريًا، وكانا يعتمدان على صناعتها باليد، وظلت الأمور تسير بهذا البطء ستة أشهر كاملة، إلى أن استأجر حوالي ثلاثمائة عامل ليبدأ العمل بسرعة أكبر.

النهاية

حقق الطراز بورشه 356 نجاحًا عالميًا هائلاً، وأصبحت العلامة التجارية بورشه من أكثر العلامات التي تستحوذ على ثقة المستخدمين، خاصةً أولئك الذين يفضلون السيارات الرياضية، وفي الثالث من سبتمبر عام 1950، احتفلت مدينة شتوتجارت كلها بعيد ميلاد فيرديناند بورشه الخامس والسبعين، وأطلقت أبواق السيارات في الشوارع بشكل كثيف لم يعهد من قبل، وسُكبت المياه في الطرقات ابتهاجًا بالحدث..
كان احتفال سكان المدينة بعيد مولده، واحتفاؤهم به، وكأنه حفل وداع له، وتعبيرًا منهم عن امتنانهم لما فعل طوال حياته قبل أن يغادر، فبعد هذا الاحتفال الرائع بأقل من أربعة أشهر، وتحديدًا في الثلاثين من يناير عام 1951، توفي فيرديناند بورشه على أثر جلطة شديدة بالمخ، ليغادر عالم السيارات وعالمنا، بعد أن حقق نجاحًا باهرًا طوال حياته المهنية، وأصبح اسمه أيقونة للسيارات الرياضية لا تضاهيها أية علامة تجارية أخرى.


 

أخبار ذات صلة
بورشه تستثمر في عالم الكهرباء الجمعة , 23 فبراير 2018 10:00 م
911 GT3 تورينج.. سلسلة القوة من بورشه الثلاثاء , 30 يناير 2018 10:00 م
بورشه 911.. الثلاثاء , 09 يناير 2018 10:00 م
بورشه 911 تيربو S.. السيارة الذهبية الأربعاء , 03 يناير 2018 12:34 م
#
  • تعليقات Facebook