عالم السيارات

08 ربيع الآخرة 1440 16 ديسمبر 2018
الرئيسيةالرئيسية بروفايل
بوجاتي.. أكثر من حياة
# الخميس , 04 يناير 2018 10:00 ص

كان الوقت ما زال مبكرًا في هذا الصباح من خريف عام 1936، والعامل فرانسوا متجه على الأقدام في حماسة إلى المصنع الذي يعمل به.. لم يكن يحمل بداخله قدرًا من الحماسة فقط، بل كان يحمل كذلك قدرًا أكبر بكثير من الحنق والغضب؛ فاليوم هو ذاهب إلى المصنع لا للعمل بل للاحتجاج، وهناك انضم إلى زملائه الغاضبين، عشرات من العمال وآخرين من الإداريين والموظفين، المتجمهرين أمام أبواب المصنع الموصدة يهتفون مطالبين بالعديد من المطالب، التي يرقى بعضها إلى مرتبة الحقوق، وينحدر بعضها الآخر إلى درك التبجح.. كان هذا يحدث لأول مرة في مصنع شركة بوجاتي للسيارات، وكان صاحب الشركة ومؤسسها "إيتوري بوجاتي Ettore Bugatti" يعلم أن هذا الاحتجاج الذي تحول إلى إضراب تحركه الجبهة الشعبية للعمال ذات التوجهات الاشتراكية، وكان متأكدًا تمام التأكد أن الفتنة قادمة من خارج المصنع وليس من داخله، خاصةً أنه كان يدفع أقساطًا عالية للضمان الاجتماعي، ويمنح العمال أجورًا أعلى من متوسط ما يحصل عليه العاملون في المصانع الأخرى، ولذلك فلقد تعامل معهم بنوع من القسوة، وكانت نتيجة الإضراب تسريح كثير من العمال وتخفيض أجور العاملين الجدد، ومنذ ذلك الخريف يمكننا أن نقول إن بوجاتي لم تعد كما كانت أبدًا.

المؤسس

ولد إيتوري بوجاتي في الخامس عشر من سبتمبر عام 1881 في مدينة ميلانو الإيطالية، ينتمي لعائلة فنية شهيرة، فالأب "كارلو بوجاتي" فنان ومصمم أثاث ومجوهرات إيطالي شهير، والجد للأب "جيوفاني لويجي بوجاتي" كان مهندسًا معماريًا ونحاتًا، وشقيقه الأصغر "ريمبريندت بوجاتي" كان واحدًا من أشهر النحاتين العالميين المشتهرين بنحت تماثيل الحيوانات، حتى عمته "لويجيا بوجاتي" كانت زوجة للرسام الشهير "جيوفاني سيجانتيني"، ووسط هذا الجو الفني نشأ إيتوري، حتى إنه بعد أن أنهى دراسته الأساسية التحق مع أخيه بأكاديمية الفنون الجميلة في ميلانو لدراسة الفن.. غير أن إيتوري كان له رأي آخر في مستقبل حياته، فلقد كان شغوفًا بالميكانيكا، حتى إنه في عمر الرابعة عشرة أجرى تعديلاً على محرك دراجة بخارية خاصة بأحد أصدقائه، وفي عامه السابع عشر التحق بمدرسة التلمذة الصناعية، وبعد عام واحد من التحاقه صمم أول دراجة ثلاثية العجلات، وفي عام 1901 خرج للنور تصميمه الثاني بعد أن تلقى دعمًا ماليًا من "الكونت جوينيللي Count Guinelli"، وكان عبارة عن سيارة على أربع عجلات استخدم فيها محركين من إنتاج شركة "دي ديون De Dion" الفرنسية، وكان اسم هذا التصميم "Type 2"، وفي نفس العام فاز إيتوري بالجائزة الأولى في "معرض الإلزاس للمحركات Eugène de Dietrich from Alsace"، وفي عام 1904 أصبح رئيس إنتاج السيارات في شركة "يوجين دي ديتريش Eugène's company, De Dietrich".

عقد جديد

في عام 1907 وقع إيتوري بوجاتي عقدًا مع مصنع "ديوتز Deutz" للمحركات التي تعمل بالغاز في كولونيا، وبدأ في بناء نموذجه الخاص الجديد من سيارات السباقات خفيفة الوزن داخل قبو منزله، وهو النموذج الذي سيظهر بعد سنوات قليلة كأول طراز يحمل اسم عائلته تحت اسم "بوجاتي 13"، غير إنه مع اكتمال النموذج الجديد قرر إنهاء عقده مع الشركة الكولونية، واستأجر عام 1909 مكانًا كان يُستخدم كمخزن للدهانات في مولشيم بالإلزاس، وحوله إلى مصنع للسيارات أطلق عليه اسم "سيارات إيتوري بوجاتي Automobiles Ettore Bugatt"، لتبدأ أولى خطوات رحلة شركته الوليدة.

الشركة تنطلق

كان إيتوري يعلم أن اعتماده في البداية على تصنيع نماذج السيارات الخاصة به فقط يضع على كاهل الشركة الجديدة مشقة لا لزوم لها، لذلك اعتمد -مع تصنيع النماذج الخاصة به- تصنيعه لطرازات خاصة بشركات أخرى أيضًا، فقامت الشركة عام 1911 بتصنيع الطراز "بي بي Bébé" الخاص بالعملاق الفرنسي بيجو، كما قامت بتصنيع طرازات خاصة بشركات أخرى كبيرة في وقتها، مثل "كروسلي Crossley" البريطانية، "دياتو Diatto" الإيطالية، و"راباج Rabag" الألمانية..
لكن بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، انتقل إيتوري إلى باريس، وهناك ابتكر تصاميم لمحركات للطائرات ذات ثماني أسطوانات وست عشرة أسطوانة، وبعد انتهاء الحرب عام 1918 عاد إيتوري وعائلته مرة أخرى إلى الإلزاس ليجدوها قد أصبحت جزءًا من فرنسا، فقام بإعادة تشغيل مصنعه القديم.

إنتاج جديد

بدأت الشركة في إنتاج سيارات رياضية خفيفة الوزن مرة أخرى، وبدأت تحقق شهرة وثقة بين العملاء، خاصةً بعد فوز طرازاتها في سباق "لومان Le Mans" عام 1920، وسباق "بريشيا Brescia" عام 1921، وتوالت النجاحات حتى إنه قد تم إحصاء 412 انتصارًا عام 1925 خلال تسعة أشهر فقط في سباقات مختلفة، لطرازات صُنعت تحت اسم شركة بوجاتي وحدها..

وفي عام 1930 بدأت في إنتاج عربات القطارات -والتي تدعى بالفرنسية "أوتورايل  Autorail"- مع محركات من نوع "رويال Royale"، جنبًا إلى جنب مع إنتاج السيارات، وفي عام 1934 تم أول إنتاج لسيارة جديدة من تصميم شارك فيه الابن "جان إيتوري بوجاتي Jean Ettore Bugatti " أبيه تحت اسم "Type 57"،ٍ وكان هذا التصميم هو الأخير الذي يحمل توقيع إيتوري، فبعد عامين حدثت الإضرابات العمالية الكبيرة في مصانعه، مما أثر على نفسيته بشدة، ودفعه إلى تسليم قيادة الشركة عام 1936 إلى الابن الأكبر جان.

أعوام من الحزن

كانت الأعوام العشرة التي تلت الإضرابات الكبيرة للعمال هي الأعوام الأخيرة في عمر إيتوري، وهي الأكثر حزنًا على الإطلاق؛ فالاضطرابات العمالية التي عمت كل فرنسا في ذلك الوقت ظلت تضغط على جميع أوصال الشركة في مدد متعاقبة وقصيرة، حتى تأثر الإنتاج وبالتالي قلت الأرباح بشكل كبير.. وعلى الرغم من أن الابن الشاب الذي كان يجلس على قمة الشركة في ذلك الوقت كان من الحصافة، بحيث استقرأ المستقبل متوقعًا اندلاع الحرب العالمية الثانية، فقام بنقل مرافق إنتاج الشركة من منطقة الإلزاس إلى "بوردو Bordeaux"  أوائل عام 1939، إلا أن هذا العام ذاته كان يخبئ للأب إيتوري مفاجأة غير سارة بالمرة؛ حيث لقي الابن مصرعه في حادث أليم أثناء اختبارات قيادة لإحدى السيارات، بعدها عاد إيتوري لقيادة الشركة من جديد، غير إنه صرح في هذه الأثناء أنه غير قادر على إعادة نجاحاته السابقة..

وفي عام 1943 استولت قوات النازي الألمانية على مصنع الشركة في مولشيم، لكن يبدو أن كل هذه الأحزان لم تكن كافية، فجاء عام 1944 بمزيد من الأحزان لإيتوري؛ حيث توفيت زوجته "باربارا Barbara" بعد زواج دام سبعة وثلاثين عامًا، ليلحق بها هو في الحادي والعشرين من أغسطس عام 1947.

بعد إيتوري

بعد وفاة المؤسس، استلم ابنه الأصغر "رولاند بوجاتي Roland Bugatti" إدارة الشركة ومصانعها في بوردو ومولشيم، حيث تمت استعادتها من أيدي الألمان بعد هزيمتهم في الحرب، وبدأت الشركة تحت نهج الإدارة الجديدة في استعادة إنتاج تصاميم سابقة، غير أن الخسائر بدأت تتوالى خلال سنوات، حتى تم إيقاف الإنتاج نهائيًا وإغلاق الشركة في عام 1956، ليختفي اسم بوجاتي لعدة سنوات من السوق، قبل أن تُنشر في عام 1962 قائمة بأسماء أصحاب الشركة (الورثة) عن طريق الخبير "هيو كونواي Hugh Conway"، مع الإعراب عن رغبتهم في البيع، وعلى الفور تواصل "الأخوان شلومبف Schlumpf Brothers" -أصحاب مصانع النسيج المعروفة- مع كل اسم ورد في القائمة، واستطاعا إقناعهم ببيع 50% من مجموع أصول الشركة، وفي العام التالي تقدم الأخوان لشراء نسبة أخرى في الأصول تقدر بـ18% منها، ليصبح نصيبهما 68% متضمنًا جميع النماذج والتصميمات والمحركات الخاصة بالشركة منذ أُنشئت، كما اشترى رجل الصناعة الأمريكي "جون شكسبير John Shakespeare" ما قيمته 30% من أصول الشركة.

بوجاتي تعود

بعد عملية الشراء تلك واجه الأخوان شلومبف صعوبات خاصة بمصانع النسيج خاصتهما، وخسرا الكثير من السيولة، بل ووجها بتهم خاصة بإهدار حقوق العمال، وفرا إلى بازل لتجنب الملاحقة القضائية، وبناءً على هذه الأحداث، وبعد العديد من الإجراءات التي تمت خلال سنوات، آلت ملكية أصول شركة بوجاتي للدولة، وفي يوليو عام 1982 قامت الحكومة بافتتاح متحف جمعت فيه مائة وعشرين سيارة من طرازات مختلفة من إنتاج بوجاتي، وأطلقت عليه "متحف الأخوين شلومبف"..

وفي عام 1987 قام رجل الأعمال "رومانو أرتيولي Romano Artioli" بشراء شركة بوجاتي بكل أصولها، لتظهر بوجاتي من جديد في باريس في الخامس عشر من سبتمبر عام 1991 -وهو نفس يوم ذكرى ميلاد مؤسس الشركة إيتوري بوجاتي- حينما تم كشف النقاب عن طراز بوجاتي الحديث "EB 110"، والذي كان أول نسخة سيارة في العالم يتم تصنيعها من ألياف الكربون، وكانت مزودة بمحرك تربو ذي 12 أسطوانة..

غير إنه في عام 1995 تعرضت الشركة مرة أخرى لإغلاق مرافقها معلنةً إفلاسها، لكن شركة فولكس فاجن الألمانية كانت تقف أعلى المنحدر، لتمد يدها وتستحوذ في شهر مايو عام 1998 على العلامة التجارية بوجاتي، وتصبح هي المالكة لها، لتقدم طرازات جديدة مثل "EB 118"، "EB 218"، "EB 18/3"، و"EB 18/4".

نجاحات جديدة

في عام 2005 انتهت الشركة من بناء ستوديو التصميمات الخاص بها في مولشيم بالإلزاس، مسقط رأس العلامة التجارية بوجاتي، ومن هناك بدأ في نفس العام إنتاج أولى نسخ السيارة بوجاتي "فيرون Veyron"، والتي اعتُبرت أفضل السيارات الرياضية على الإطلاق؛ حيث إنها تحمل محركًا بقوة 1001 حصان، وسرعتها القصوى 400 كم/س، وتنطلق من الثبات إلى سرعة 100 كم/س في زمن تسارع أقل من 3 ثوان، وبهذه المواصفات فقد تجاوزت فيرون أداء أية سيارة رياضية أخرى في الأسواق، وفي عام 2010 ظهرت النسخة المعدلة منها "فيرون 16.4 سوبر سبورت Veyron 16.4 Super Sport"، المزودة بمحرك بقوة 1200 حصان، وقادرة على تحقيق زمن تسارع من الثبات إلى سرعة 100 كم/س قدره 2.5 ثانية فقط.. كل ذلك هو ما دفع أكثر من مائة ألف قارئ إلى التصويت للسيارة فيرون بأنها أفضل سيارة في العالم خلال العشرين سنة الأخيرة.

----------------

إن ما تعرضت له شركة بوجاتي من صعوبات على مدار تاريخها الطويل، كان كفيلاً أن يجعلها ذكرى في كتب تاريخ عالم صناعة السيارات، إلا أن القدر كان دائمًا يضع أمام هذه العلامة التجارية من يستعيدها ويعيد إحياءها من جديد، وهذا بالطبع يجعلنا نصفها بأنها ذات حظ وافر، وبأننا نحن محبي بوجاتي.. أوفر حظًا بوجودها.

#
  • تعليقات Facebook